محمد متولي الشعراوي

6466

تفسير الشعراوى

أي : أن نوحا عليه السّلام قد أحضر ألواحا من الخشب وربطها بحبال مجدولة ، وأحكم الرّبط بقدر مقتدر بما لا يسمح بتسرب الماء إلى داخل السفينة . مثلما تصنع البراميل الخشبية في عصرنا ، حيث يصنعها الصانع من قطع خشبية مستطيلة ، ويرتّبها ثم يحكم ربطها بإطار قوىّ ، وحين يوضع فيها أىّ سائل ، فالخشب يتشرّب من هذا السائل ويتمدّد ليسدّ المسام ، فلا ينضح السائل من البرميل ؛ لأن الخشب هو المادة الوحيدة التي تتمدّد بالبرودة على العكس من كل المواد التي تتمدّد بالحرارة . ولذلك نجد النّجّار الحاذق « 1 » في صنعته هو من يصنع الأثاث أو الأبواب أو الشبابيك في الفصول الرتيبة « 2 » ؛ لأنه إن صنعها في الصيف ، سنجد الخشب وهو منكمش ، فإذا ما جاء الشتاء تمدّد ذلك الخشب وسبّب عدم إحكام إغلاق الأبواب والنوافذ ، وكذلك إن صنعها في الشتاء والخشب متمدّد سيأتي الصيف وتنكمش الأبواب ، وتكون لها متاعبها ، فلا يسهل ضبط إغلاق الأبواب أو ضبط أي صندوق أو شبّاك بإحكام . ثم يقول الحق سبحانه : . . وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ « 3 » ( 37 ) [ هود ] أي : لا تحدّثنى في أمر المغفرة لمن ظلموا أنفسهم بالكفر ، وهم من ارتكبوا الظلم العظيم ، وهو الكفر في القمة العقدية ، وهي الإيمان بالله تعالى واحدا أحدا لا شريك له ؛ لذلك استحقوا العقاب ، وهو الإغراق .

--> ( 1 ) الحاذق : الماهر في عمله . حذق الشئ : مهر فيه . [ انظر اللسان ] . ( 2 ) الرتيبة : الثابتة التي لا توصف ببرد أو حرّ . ( 3 ) الغرق هو أن يغمر الماء الشخص حتى يموت ، يقول الحق : حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ . . ( 90 ) [ يونس ] أن تمكن منه ، وغرق كفرح فهو غرق وغارق وغريق . وجمع الأخير غرقى ، واسم المفعول منه لغرق ، قال تعالى : . . فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ( 43 ) [ هود ] ( القاموس القويم ص 51 ج 2 )